أبو ريحان البيروني

110

القانون المسعودي

السفل ، وأنّى يزايله الثقيل ، إلّا إلى ما هو أسفل منه وليس أسفل من حقيقة الوسط سفل ثم ليس لكون الوسط سفلا سبب خاصّ غير الإبداع كذلك كما ليس عند المخالف فيما يعتقده سفلا عليه علة سوى الخلق كذلك ، ومما ذكرنا يعرف سبب كريّة الأرض لأن أبعاضها لو لم تتماسك مع نزوعها إلى المركز ونزوع ما هو أبعد عنه إلى الموضع الأقرب منه أن خلاله لم يكن بدّ من اجتماعها حول الوسط اجتماعا مستويا للأبعاد تسوية الميزان ، لكن أجزاءها متماسكة مخرجة عن وجهها عن الاستواء إلى التضريس بالجبال والانجاد بقصد من التدبير الإلهي وإن لم يخرج لها جملة الأرض عن الشكل الكريّ لصغرها عندها ، وإذ هذا التماسك في الأرض وليس منه في الماشي ومعنى يضمهما وإن كان يتفاضل ، فإن سطح الماء مستدير وأصدق كريّة من الأرض لأنه إن توهم مستويا كان وسطه أقرب إلى المركز من حواشيه ، فما فيها سائل لا محالة إلى وسطه وغير مستقرّ إلّا بعد استواء الأبعاد وزوال الأعلى والأسفل من السطح بالانتقال من الاستواء إلى الاستدارة ، وهذا معنى قصده بطليموس في الأصل الثاني وحوّله في الاستدلال من الأرض إلى الماء فإن السائر في براريها نحو الجبال يظهر له منها أعاليها كأنها تبرز من الأرض شيئا بعد شيء حتى ينتهي إليها ، وهذا ظاهر في الوجود يستقيم منه الدلالة على الأرض والماء معا في الكريّة ومتى كان بين السائر وبين الجبل الشامخ جبيلات وهضاب لم يدركها مع إدراك الشامخ الذي وراءها لأن المدرك منه هو أعاليه ، فلو كانت الأرض مستقيمة السطح لكان إدراك الأقرب من تلك المتوسطات أولا أولى من الأبعد بل سفوح الشامخ وأسافله ، لأنها أقرب إلى البصر من أعاليه بحسب فضل ما بين القطر وبين الضلع من المثلث القائم الزاوية ، فإن اعتبر الحال بتأمل نيران مؤجّجة في أعلى الجبل ووسطه وأسفل سبقت رؤية التي توقد في القلة التي في الوسط ، والتي في الوسط التي في السفج ، وعلى استمرار هذا الدليل في الأرض والماء معا يتفرد الماء بدليل مما يخصّه وهو المراكب في البحار ، فإن أدقالها تظهر للناظر إليها إذ نالتها من بعيد قبل جثّتها ، والجثة أعظم منها لولا أن حدبة الماء الكريّة يمنعها وتخفيها مع انبطاحها بسبب اختلاف الانتصاب إلى أن يزول الستر بالاقتراب ، فيظهر حينئذ ثم تعود إلى القسم الثاني من حركة الأرض وهي على نفسها نحو المشرق من غير انتقال من مكانها ، وقد قال بها أصحاب أرجيهر من علماء الهند ونظن بالداعي إليها إلزام السماء ما يرى من حركات الكواكب فيها بالحركة الثانية الشرقية ، وإلزام الأرض لوازم الحركة الأولى الغربيّة كيلا تجتمع على السماء حركتان مختلفتان معا وهذا وإن لم يكن قادحا في مباني هذه الصناعة